الأربعاء، 31 ديسمبر 2014

ولماذا أتوقف عن التدخين؟ بل لماذا لا تدخنون أنتم؟!


أينما تلتفت تجد تحذيرات من مضار التدخين، حتى أنك تجدها في إعلانات السجائر وعلى العلب نفسها يضعون بعض الصور المخيفة أو عبارات من نوع "التدخين يقتل". وقد تعجب – سواء كنت من المدخنين أو من غير المدخنين – من هذه التحذيرات التي لا تجد غالبًا طريقها إلى عقل المدخن. كيف يمكنه تجاهل هذه التهديدات الخطيرة؟ كيف يمكنه الاستمرار في دفع المال يوميًّا مقابل السجائر؟ يتجاوز أية فتاوى دينية وصحية واجتماعية ويستمر في التدخين. لعل الدوافع التي تجعل المدخن يتابع مسيرته تستحق التوقف عندها والنظر إليها بحيادية قبل وضع اللمسات الأخيرة على لائحة قراراتك لسنة 2015.
التدخين مسبب رئيس لسرطان الرئة بالإضافة لأمراض القلب والشيخوخة المبكرة لأعضاء الجسد المختلفة والبشرة، كل الدراسات تؤكد ذلك والمدخن أيضًا يعرف ذلك. لكن الهواء الذي نتنشقه في كل ثانية من يومنا يحمل ما لا يقل خطورة، وفي بعض البلاد المتقدمة يتجول المواطن واضعًا قناعًا صغيرًا على أنفه وفمه ليخفف تأثير استنشاق هذا الهواء. وليس ما نتنشقه عبر الأنف ما يُعتبر مدمرًا للصحة، فهناك: المياه التي نشربها، الغذاء الذي نتناوله – وليس المقصود المعلب منه والمعالج كيميائيًّا، بل حتى ما نظنه طازجًا بحسب زراعته وريّه وتعديله جينيًّا -، الأجهزة الكهربائية والإلكترونية وغيرها. صحيح أنَّ تدخين السجائر يختلف عن سائر تلك الأمور بأنه غير ضروري للاستمرار بالحياة، ولكن هذا هو بالضبط ما يجعله مميزًا. إنه مكمِّل اختياري؛ يختار المدخن إدمانه وكأنه يملك بعض زمام أمره. التدخين يعزز إرادة التمرد على المفروض واختيار الضرر المرغوب.
التدخين عادة سيئة، ويكفي أنه "عادة" ليجعله أمرًا مشكوكًا فيه. فبجانب أنَّه إدمان لمادة النيكوتين، فهو إدمان لاستدعاء تلك السيجارة وشغل الفم بها. ويحصل ذلك غالبًا في أوقات الفراغ والغضب والحزن، ربما كبديل لعادة النميمة والثرثرة، والسب واللعن، والدعاء على مسببي الكرب، فإن لم يكن بالإمكان استغلال الوقت فيما هو مفيد حقيقةً، فلما لا يمكن طرح التدخين كبديل أقل ضررًا على سمو النفس البشرية. أليس هذا هو الوقت الأمثل مع العديد من المتغيرات السلبية والأحداث الجسيمة – خاصة في الشرق الأوسط - لجعل التدخين إيجابيًّا للجميع؟ وهذا سيلغي تصنيف البشر بين مدخن وغير مدخن.. أمر آخر تضيفه السيجارة كإنجاز مُثري لعدالة الإنسانية.
أما بالنسبة لما يترتب على شرب السجائر من مصاريف يومية فذلك يُعتبر ضرورة للخروج من دائرة الاستهلاك للضروة إلى الاستهلاك للرفاهية. فالمدخن يمكنه توفير ثمن السجائر للاحتياجات ضرورية، لكنه يؤمن بضرورة إيجاد ما يُدخله في قائمة المستهلكين لما يمكن العيش من دونه كالخبز مثلاً. التدخين ليس ضرورة ليعيش، لكن قد يبدو وكأنه ضرورة ليشعر بأنه يعيش دون الالتزام بحدود ما هو ضروري فقط.
ورغم أنَّ "لا ضرر ولا ضِرار" لا يمكن التحايل عليها بـ"أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك"، إلا أنَّ الاتساق في الأمر كله مطلوب، فلا يمكن أن يُلحق الإنسان بنفسه الضرر وبالآخرين في الكثير - أو البعض - من تصرفاته ثم لا يذكر هذا الحديث إلا في موضوع التدخين! لم لا تكون سنة 2015 سنةً لجرأة الاختيار وتقرير "الاتساق" مع النفس؟

الخميس، 21 أغسطس 2014

وداعاً "رفعت إسماعيل" .. وداعًا أيها الغريب، كانت إقامتك قصيرة، لكنها كانت رائعة، عسى أن تجد جنتك التى فتشت عنها كثيرًا

صيف 1993
كنت في العيد .. لميت العيديات اللي لمتها من الأهل والمعارف .. بجانب فلوس تانية كنت محوشها .. وطلعت على مكتبة المحطة .. عشان اشترى روايات مصرية للجيب .. كان الدافع الرئيسي هو روايات "رجل المستحيل" و "ملف المستقبل "  .. لكني كنت بشتري كتب تانية لمصطفى محمود،محمد عفيفي، يحي حقي ونجيب محفوظ وغيرهم .. قلبي بيدق كل ماشوف عنوان جديد .. الزهرة السوداء - العدد الخاص-  كانت اعتقد في الصيف دة .. بعد مالميت شوية روايات وكتب محترمة سبت في جيبي جنية اروح بيه .. لقيت صاحب المكتبة بيقولي في سلسلة جديدة موجودة .. ماتجربها؟! .. قرأت العنوان " أسطورة مصاص الدماء والرجل الذئب"  .. عنوان يوحي بالرعب مش بالمغامرات اللي اتعودت عليها .. قرأت التعريف على ظهر الرواية .. " روايات تحبس الأنفاس من فرط .... " التعريف اللي بقى اشهر من نار على علم .. المهم دفعتلة الجنية الباقي وقلت أجرب كعادتي في تجريب كل ماهو جديد وغريب .. طبعا روحت في القطار "تزويغ" عشان  فلوسي خلصت لكني كنت أسعد من طفل لقى كيس مليان شيكولاتة بيحبها ..  سبتها للآخر طبعا عشان اعيش مع أدهم ونور اللي اتعودت عليهم  .. الحقيقة ان القدر كان حكيم اني أقرأها بالليل مش بالنهار عشان احس بمتعتها .. اسلوب جديد .. غريب على جيلنا .. مش زي اسلوب نبيل فاروق الشهير اللي اتعودنا علية .. اشبة بالروايات الأجنبية البسيطة اللي كنت بقرأها أياميها عشان ازود معرفتي باللغة الإنجليزية .. بعديها بقيت بسأل على أعداد السلسلة .. ولقيتني أكتر في اسلوب احمد خالد توفيق عن اسلوب نبيل فاروق النمطي الممل ..  ولقيتني بعد رواية " أسطورة حارس الكهف" أسير للأسلوب الجديد الرائع والسخرية المريرة  والمعلومات اللي أكتر بكتير من معلومات السلاسل التانية .. رفعت اسماعيل القاطرة البخارية عليل الصحة نقيض البطل .. الصورة الجميلة اللي تخلى اى حد مهما كان يحلم انه يكون بطل حتى لو معندوش اي مؤهلات جسدية زي ادهم صبري مثلا اللى كان مثلنا الأهلى وكان احد اهم اسباب اني اتعلم كاراتية وتايكوندوا بالاضافة لإني اتعلم كذا لغة - اللي برضة لسة مأتقنتش ولا واحدة فيهم لحد دلوقت - رفعت اسماعيل اللي بيواجهة كل مخاوفنا ويفندها بإسلوب علمي وذكاء بسيط وقوة ملاحظة .. رفعت اسماعيل اللي اعتبرتة صديق عزيز ليا رغم فرق السن اللي بينا .. كأنة صديقي الكبير اللي بقى احد اهم اركان "مثلنا الأعلى " اللي بنحاول برضة نوصلة .. تحارب وحش لوخ نيس مع ماجي .. الرعب الموجه خطأ لعزت جارة المسكين في "آكل البشر" .. الأم مارشا وسحرها الأسود ..ميدوسا واليونان الجميلة .. تحارب معاة حارس الكهف الغامض اللي لسة متعرفش كنهه لحد دلوقت .. سالم وسلمى وعوالم غريبة ممتعة .. تحاولتبعد وتتلافى الفرعون الغاضب في لعنة الفرعون .. وحلقة الرعب الغريبة واللقاء الأول مع د. لوسيفر .. هن تشو كان والشاب الفارس والكاهن الأخير ..تحس بغصة في قلبك وانت بتشوف "شيراز" في اسطورة البيت .. النبات بيحاول يطول رجلك في اسطورة النبات ..
عرّفنا على رجل الثلوج والنبات المفترس وحسناء المقبرة، وجد قصاصات الغرباء ودخل عالم بو وفك أسرار التاروت، قابل عدو الشمس والمينوتور وعفريت المستنقعات، قص علينا حكاية إيجور الرهيبة والجاثوم والتوأمين، رأينا فرانكشتاين ورجل بيكين والمومياء، سمعنا النبوءة والكلمات السبع والرقم المشؤوم فى جانب النجوم.

دخلنا المقبرة وأرض المغول والمتحف الأسود وبتنا فى بيت الأشباح ونادانا نادى الغيلان، عثرنا على الشىء والعلامات الدامية فى صندوق بندورا، رأينا الظلال والطوطم والفتاة الزرقاء .. ماجي واسطورتهم اللي هاتتخلد أبد الدهر .. الحب المستحيل اللي مكفش أبدا إنه يكون حب العمر برضة .. الحب اللي بتعشقة وتهابه في نفس الوقت .. الحب اللي بتتمناه وبتخاف إنه يكمل النهاية الطبيعية عشان مايمتش .. ..و .. و .. كل رواية كانت بتدخلك عالم رفعت اسماعيل ومبتطلعش منه أبدا .. رفعت اسماعيل اللي كان بيكبر معانا كل يوم .. اللعبة مابينة ومابين د لوسيفر اللي انت مستني نهايتها وفي نفس الوقت مش عايز تشوف نهايتها عشان عارف انها نهاية رفعت اسماعيل نفسة .. لحد الآن وانا عديت ال 33 من عمري كل ماشوف عنوان رواية جديدة قلبي يدق فرحا بيها .. واقرأها بكل هدوء واقوم اعمل شاي او ساندوتش في وسط القراءة عشان ءأخر نهايتها شوية .. ازود متعتي شوية .. لكن عنوان رواية " أسطورة الأساطير " قلبي مدقش لية فرحا كالعادة .. بالعكس .. حسيت بغصة في قلبي .. دي آخر مرة هاشوف فيها رفعت اسماعيل .. اخر مرة ياخدني معاة لعالمه الجميل المحبوب الملئ بالغرابة والسخرية والعلم والحب وعدم الكدب .. كأني بشوف صديقي العزيز وهو بيموت قدام عيني ومش قادر أعملة حاجة .. نفسي يفضل معايا لحد ماموت .. جيلنا الحقيقة رغم قلة الحاجات المممتعة ليه كان محظوظ .. انت مش متخيل الاحساس وانت بتستني كل شوية صدور رواية جديدة وتروح تشتريها بكل لهفة .. غير لما تكون روايات السلسلة كلها قدامك وانت بتشتري فيها وخلاص .. رفعت اسماعيل زي كل حاجة حلوة ومبهجة لجيلنا بتنتهي ..كأن القدر مصمم إنه يموت الجيل دة مقهور وحزين برضة .. زمان لما كنت بقرأله كنت دايما بخاف من اليوم دة .. اليوم اللي ينتهي فية رفعت اسماعيل او ادهم صبري من قبلة واقول حياتي هاتبقى عاملة ازاي من غيرهم .. اصدقاء طفولتي ومراهقتي وشبابي .. فعلا اصدقاء حقيقين عشت معاهم اكتر ماعشت مع اصحابي الحقيقين نفسهم .. لكن ككل شئ له بداية لازم ليه نهاية .. لكن النهايات لجيلنا بقت كتير قوي وكلها مؤلمه .. حتى سعادتنا بتنتهي واصدقائنا بيموتوا أو بيتحبسوا .. حتى الخياليين منهم بيموتوا كمان .. مفيش اي كلام يقدر يتقال على رفعت اسماعيل يوفية حقة .. ولا يحسسك باللي عمله معانا والافاق الرحبه والعوالم الجميلة اللي من كل الدنيا اللى عيشك فيها .. حتى انا بقدرتي على وصف الاشياء مش قادر اوصف احساسي الكامل برفعت اسماعيل .. عامل زي كأنك مثلا بتحاول توصف امك او ابوك .. انت بتحبة فشخ .. مش قادر على بعادة .. لكن مش عارف تكتب علية كلمتين حلوين على بعض .. رفعت اسماعيل مات  .. ومش مات بس .. لأ كمان كل العوالم الحلوة اللى حلمنا انه يعيشنا فيها كمان ماتت .. باقيلنا ذكرياتنا معاه .. كل شوية نرجع لمغامرة ليه من مغامرات زمان .. نفضل نقرأ فيهم لحد مانحفظهم زي اسامينا- رغم ان انا حافظهم أصلا - لكن كل مرة بقرأهم بتمعن اكتر .. جملة جملة .. حرف حرف إن لزم الامر .. عشان تفتكر كل لحظة حلوة ليك معاة .. لحد الان مش متخيل إني مش هاستنى المغامرة الجديدة لرفعت اسماعيل كل صيف أو كل معرض كتاب .. بهجة إن في مغامرة لسة هاقرأها لية إنتهت .. عزائي الوحيد إنه هايظهر على استحياء كل سنة أو اتنين في عدد خاص .. نفتكره بيه .. نرجع تاني لسخريتة اللذيذة وعلمة اللي بلا حدود .. اللى اتعلمنا منه كتير الحقيقة ..حاسس اني بكتب عن صديقي وبرثيه فعلا .. نرثيه كما نرثي عزيز لدينا .. نرثية كما نرثي أحبائنا .. وداعاً رفعت إسماعيل .. وداعاً أيها الغريب، كانت إقامتك قصيرة - أو حسبناها كذلك فعمرنا أصبح هو الآخر قصيرا - كانت إقامتك قصيرة .. لكنها كانت رائعة .. عسى أن تجد جنتك التي فتشت عنها كثيرا .. ولا تنسانا .. فنحن لن ننساك قط.