فلقد وصلنى كتابك وقد تدافعت داخلى المشاعر واختلطت بتراب الأفكار ونجوم كويكبة العقرب وذكريات متعبة لا حاجة لذكرها أو إرهاقك معى بتفصيل أمرها. لكن أعود وأقول كما جاء في كتاب الله العزيز ” لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ“.
عزيزى حرنكش،
من خطابك تقطر الحسرة والآسف. وتقول أنك ظننت أن الثورة إيذاناً بنهاية ولاد الوسخة. ولكنى أعود بك لسجلات التاريخ وتجارب الأوليين ففيها العبرة والعظة.
فالتر بنيامين. مبدأ الأمل في جوهره يعنى خوض المعركة بلا يأس ولا أمل لأن الأمل ليس محرك يمكن الوثوق به
هل نجحت الثورة؟ ما الذي تعنيه عبارة “نجاح الثورة“؟ ما الذي تعنيه عبارة “فشل الثورة“؟ هل سمعت قبل ذلك عن نجاح أو فشل أى ثورة؟ وهل نجحت أى ثورة في القضاء على ولاد الوسخه أو ولاد التييييت كما اسميتهم؟
الإجابة من سجلات التاريخ هى “لا“. ارجع على سبيل المثال لما كتبه فوكو في سفره البحثي “المراقبة والعقاب” لتكتشف أن الثورة الفرنسية على سبيل المثال لم تنهى انتهاك الجسد الإنسانى أبداً والأهم أنها لم تقضي على ولاد الوصخة. بل ولك في تاريخ ثورة أكتوبر المجيدة في بلاد السوفيت عبرة وعظة وكيف انتهى الأمر بكابوس كستالين وما أعقبه من خراء غطى على بهاء حلم انسانى جميل وإن كانت جمرة ناره لا تزال مشتعلة لم تنطفئ.
ثم كان لصديقنا الراحل فالتر بنيايمن هذا التعبير البالغ عن الدقة عن “الثورة” وآثرها حينما قال فيما معناه “الثورة هى سحب يد الفرامل دفعة واحدة أثناء إنطلاق القطار بسرعته القصوى” ما يحدث بعد بذلك مسألة آخري. قضي فالتر بنايمن نحبه لكن تعبيره المجازى مازال يرن دائماً في أذنى. تأمله لدقائق وتدبر.
يؤسفنى أن أحطم ظنونك أو أحلامك، لكن لا يوجد ثورة يمكنها أن تقضي على كل أولاد الوصخة. وإن حدث فالبطون النجسة ولادة. وحتي الآن مثلاً لا أدري كيف أنجب وادينا الطيب هذا القدر من السفلة والأوغاد.
عزيزى حركش،
من أجل ما سبق فقد تنبأ خالد الذكر كارل ماركس بأن أى ثورة هى خطوة على الطريق لا أكثر، ولهذا طور ماركس ما قيل عنه “الثورة الدائمة” كصراع أبدي لا يهدف إلى تغيير منظومة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية في دولة قومية فقط بل في العالم كله. لم يمهل القدر ماركس الكثير ليفسر لنا هذا الأمر وإن تكفل تروتسكى ببعضه. وإن كان الاثنان يأخذ منهم ويرد. فأقول لك “الثورة مستمرة” وإن كانت الحتمية التاريخة أمر مشكوك فيه.
ليس المهم العاطفة الجياشة والمشاعر الملتهبة، بل الذاكرة تذكر دائماً "مش ناسين التحرير يا ولاد الوصخة": جرافيتى شوارع القاهرة
والثورة يا حركش ليست من أفعال العاطفة، ولا جذوة نار تشب في القلب وتنطفئ بتوالى الأيام. بل هى وهذا الأهم إخلاص في الحب يتبعه إتقان في العمل وصبر على الابتلاء.
عزيزى حركش،
تبدى اشمئزازك من الانتخابات، تراها مهزلة ومسرحية ولعبة دنئية. أتفق معك في كل تلك الأوصاف. لكن الحياة كلها قذرة يا حركش للآسف. بل وكما قال “لارس فان تيرير” في رائعته الخالدة “ميلانكوليا“: “الأرض شريرة“.
لهذا ننحي هذه النحنة العاطفية جانباً، وتذكر أن حتى أمز مزة تخرج ...... من مؤخرتها. في النهاية هى الانتخابات واقعة، وهى واقعة لأنها قد وقعت، ولأنها واقعة فقد وقعت، ولقد يطيب لى أن أقول لك أن الانتخابات مثل أى حدث مقدار أهميته بالنسبة لى وأعتقد لك هى في كيفية قدرتك على تسخيره ليكون سلاحاً في صدر ولاد التييييت. بالرغم من أنهم أكثرية وسوف يفوزون لا يهم. أنظر للجانب الإيجابي على الأقل هما الآن محددون وسيجتمعون قريباً. بل سيفصل اجتماعهم في البار-لامان بين ولاد الوصخة فيهم وبين من يمكن الاستفادة منهم في خدمة الثورة.
هكذا هى اللعبة وكما وضحنا في خطابات سابقة فيجب أن تلعبها بلا يأس ولا أمل. ودون أيضاً أن تفقد الثقة في العثور يوماً على إجابة لسؤال “العدل“.
عزيزى حركش،
أتلمس في خطابك الكثير من العواطف المشبوبة التى أقدرها. لا يوجد ما يساوى بكاء أم على وليدها الذي تخطفه رصاصة قناص. لكن للآسف وذلك درس آخر لا العواطف الطيبة ولا المشاعر الجارفة تعيد ابنا مات أو عيناً فقدت. بل أن هناك خطر دائم أن أبشع الجرائم يا عزيزى ترتكب دائماً بمشاعر ونوايا طيبة. وتذكر أنه ولا يوجد فعل على الأرض يعيد تلك الروح ثانية، وحتى الآن لم يتطور الطب بحيث يعيد عيناً أخذها الباشا من محجرها.
وكما علمنا تارنتينو “فالانتقام طبق يقدم بادراً“. وولاد التيييت فاكرين أن العدالة نايمة نوم وهى مرقده لهم في يوم. لهذا فإذا كنت حزيناً ومكموداً على من فقدتهم في شارع محمد محمود فالخطوة الأولي هى كيف تسيطر على هذا الحزن والكمد. وكيفية تحويل الرغبة الحارقة في الانتقام. إلى نهر لا ينضب يقف خلف سد إعمال العقل ببطء وروية نحو تحقيق العدالة التى سيأتى لها اليوم وإن طالت. قطرة قطرة.. سنبنى جسرا من ماء الدموع المالحه وسنصل لغايتنا مهما طالت المسافه
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق